اشتري بي 1000 جنيه او اكثر واحصل على شحن مجانا في جميع انحاء مصر
هدي سعيد ايوب
"حتى جاء يوم 12 أكتوبر 1992، ومعه الزلزال الذي ضرب البلاد، وفجأة سمع أحمد صوتًا وكأنه خوارُ ثورٍ مختلطٌ بزئيرِ أسد، أصواتٌ قويةٌ ومرعبةٌ تَبِعَها أصواتُ صراخٍ شديد. رفع ستارة الشرفة فتعالى الصراخ من كل صوبٍ، وظنّ أن العقارات تنهار، فخرج من الشرفة مسرعًا ليرى خالته تخرج من باب الشقة وبيدها ابنتها. نظر إلى الفراش فوجده خاويًا، فعرف أن ابنها أيضًا معها. فكر: هل نسيته وحده أم نسيت كذلك باقي إخوته؟ جاءه الرد بصوت عمر من دورة المياه ينادي على خالته ويستجير بها. هرع أحمد إلى أخيه فوجده عاريًا يبكي وينادي دونما أن يحاول حتى الخروج إلى الطرقة، ويبدو أن الأطفال عندما يخافون يطمئِنون أنفسهم بأن لا يحاولوا رؤية الخطر الذي يواجههم. فجأة شعر أحمد أنه رجل كبير، الشيب يملأ رأسه والهمّ يحني ظهره، وبحكمة السنوات احتضن شقيقه وهو يتناول المنشفة باليد الأخرى، ويدور بها سريعًا على جسده، ويلتقط من سلة الغسيل جلبابًا يخصه ويدخل شقيقه فيه في لحظة. فيبكي عمر ويتمتم: ""متسخة، ليست لي، أريد أن أرتدي باقي ملابسي"". ليجد نفسه مسحوبًا بيد أخيه، وقد أصبح أمام فراش شقيقته التي استيقظت لتوّها وتبكي وتضرب بيدها صدرها مطمئنةً نفسها كي لا تخاف. حاول أحمد حمل شقيقته على ذراعه، والإمساك بعمر بالذراع الآخر فلم يستطع، فهو صغير. حنى رأسه على الفراش وهو يحاول وضع هند على كتفه بحيث تصبح ساقاها متدلّيتين على صدره، وأخذ عمر يساعده، ثم صاح: ""هند عاملاها على نفسها"". أما أحمد فلم يهتم عندما مرّت الثياب المبتلّة ذات الرائحة الكريهة على وجهه أثناء محاولته رفعها على كتفه، وركض ممسكًا بيد هند بيده اليمنى، قابضًا على عمر بيده اليسرى. خرجوا إلى السلم لنزول ثلاثة أدوار، وجميع السكان نزلوا، والسلالم خاوية، وهذا سهّل مهمتهم، حتى صاروا بالشارع. لحظة خروجهم من مدخل العقار، من الظلمة إلى النور، تُشبه لحظة النجاة من الحرب، ويستقر في عقيدة عمر إلى يومنا هذا أن هذا اليوم من أهم أسباب ظهور أحمد وهند بالصورة التي يراها الآن."